العودة   منتديات زوار المسجد النبوي الشريف >

منتديات الكـتب والأبحاث والخطب والمكـتبات

> منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات
المكتبة الرقمية البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات ما يتعلق بالأبحاث والمقالات العلمية ..

كاتب الموضوع منازل الشهداء مشاركات 0 المشاهدات 12025  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-09-2009, 03:56 PM   #1
منازل الشهداء
عضو
 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
المشاركات: 80
       
منازل الشهداء is on a distinguished road
جمعية الموظفين وأحكامها في الفقه الإسلامي

جمعية الموظفين وأحكامها في الفقه الإسلامي


جمعية الموظفين وأحكامها في الفقه الإسلامي
د . عبد الله بن عبد العزيز الجبرين (1)
الأستاذ المشارك بكلية المعلمين بالرياض
تمهيد:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } (2) .
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } (3) .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } (4) { يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } (5) .
__________
(1) تخرج من كلية الشريعة بالرياض التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1402هـ ، ثم التحق بالمعهد العالي للقضاء وأنهى مرحلة الماجستير عام 1405 هـ وكان عنوان البحث الذي تقدم به في هذه المرحلة (السلم وأحكامه في الفقه الإسلامي) ثم واصل الدراسة في نفس المعهد لإكمال مرحلة الدكتوراه وأنهى هذه المرحلة عام 1407 هـ وكان موضوع رسالة الدكتوراه تحقيق كتاب الإقناع لابن المنذر . وبعد إنهاء هذه المرحلة عين مدرسا بالكلية المتوسطة بالرياض على وظيفة أستاذ مساعد عام 1408هـ ثم عين رئيسا لقسم الدراسات الإسلامية عام 1412 هـ
.
(2) سورة آل عمران الآية 102
(3) سورة النساء الآية 1
(4) سورة الأحزاب الآية 70
(5) سورة الأحزاب الآية 71وبعد:
فمن أعظم نعم الله على هذه الأمة أن أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم شريعة تامة كاملة ، قال تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } (1) أنزلها خالق البشر الذي يعلم ما يصلحهم في جميع الأحوال والأزمان ، وأوجب العمل بأحكامها على جميع المكلفين من وقت نزولها إلى قيام الساعة ، ولذلك فإن عيسى عليه السلام سيحكم بها عند نزوله في آخر الزمان (2) ، ولهذا جاء في هذه الشريعة من القواعد والنصوص ما يتضمن الحكم العدل في كل نازلة فأي معاملة تستجد أو قضية تحدث ، يقوم أهل الاجتهاد باستنباط حكمها من
__________
(1) سورة المائدة الآية 3
(2) ويدل لذلك قوله تعالى: '' وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ '' آل عمران، الآية 81. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (2 \ 551) : (يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي من لدن آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام لما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ أي مبلغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنن به ولينصرنه ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته). ويشهد لهذا التفسير ما رواه مسلم في صحيحه في الإيمان باب نزول عيسى بن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم 1 \ 137، حديث (155) من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن نافع مولى أبى قتادة عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ''كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمكم منكم '' قال الوليد بن مسلم: قال ابن أبى ذئب: (تدري ما ''أمكم منكم ''؟ قلت: تخبرني، قال: فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى، وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم). وقال النووي في شرح مسلم 18 \ 76 عند كلامه على أحاديث الدجال ونزول عيسى في كتاب الفتن من صحيح مسلم قال: (صحت هذه الأحاديث هنا وما سبق في كتاب الإيمان وغيرها أنه ينزل حَكَمًا مُقسطا يُحَكّم شرعنا ويحيي من أمور شرعتنا ما هجره الناس). وقد أجمع أهل العلم على أن شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مؤبدة إلى يوم القيامة، ينظر شرح مسلم 18 \ 75.النصوص والقواعد الشرعية ، ومن أمثلة ذلك هذه المسألة التي نحن بصدد الكلام عنها ، وهي ما يعرف الآن بـ (جمعية الموظفين) ، فهي مسألة جرى التعامل بها ، فقد كان يفعلها بعض النساء في القرن التاسع الهجري ، وكانت تسمى (الجمعة) (1) ثم إنه انتشر استعمالها في هذا العصر ، وبخاصة بين الموظفين ، فكانت الحاجة ماسة لبيان حكمها ، مما دعاني للكتابة في هذا الموضوع .
وقد جعلت الحديث عن هذا الموضوع في أربعة مباحث وخاتمة:
المبحث الأول: صور هذه الجمعية .
المبحث الثاني: حكم الصورة الأولى .
المبحث الثالث: حكم الصورة الثانية .
المبحث الرابع: حكم الصورة الثالثة .
أما الخاتمة فقد اشتملت على أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث .
__________
(1) ينظر حاشية قليوبي 2 \ 258.المبحث الأول
صور جمعية الموظفين (1)
لهذه الجمعية ثلاث صور هي:
الصورة الأولى:
أن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغا من المال مساويا لما يدفعه الآخرون ، وذلك عند نهاية كل شهر أو عند نهاية كل ستة أشهر ونحو ذلك ، ثم يدفع المبلغ كله في الشهر الأول لواحد منهم ، وفي الشهر الثاني أو بعد ستة أشهر- حسب ما يتفقون عليه- يدفع المبلغ لآخر ، وهكذا حتى يستلم كل واحد منهم مثل ما تسلمه من قبله سواء بسواء ، وقد تستمر هذه الجمعية دورتين أو أكثر ، إذا رغب المشاركون في ذلك
الصورة الثانية:
وهي تشبه الصورة الأولى إلا أنها تزيد عليها بأن يشترط على جميع المشاركين فيها الاستمرار في هذه الجمعية حتى تستكمل دورة كاملة .
الصورة الثالثة:
وهي تشبه الصورة الثانية ، إلا أنها تزيد عليها بأن يشترط على
__________
(1) سميت هذه المعاملة بـ (جمعية الموظفين) مع أنها قد تكون بين غير الموظفين؛ لأن غالب من يشترك فيها من الموظفين الذين لهم رواتب يستلمونها في نهاية كل شهر، وغالبا يكونون موظفين يعملون في دائرة واحدة أو شركة معينة، ونحو ذلك.جميع المشاركين فيها الاستمرار في هذه الجمعية حتى تدور دورة ثانية أو تدور دورتين أخريين أو أكثر حسب ما يتفقون عليه ، ويكون ترتيب الاقتراض في الدورة الثانية عكس ترتيبه في الدورة الأولى ، فأول من اقترض في المرة الأولى يكون آخر من يقترض في المرة الثانية وهكذا ونحو ذلك .المبحث الثاني
حكم الصورة الأولى من صور جمعية الموظفين
سبق في المبحث الأول ، ذكر مثال لهذه الصورة ، وهي تتميز عن غيرها من صور هذه الجمعية بأنها خالية من جميع الشروط ، فمن أراد من المشاركين أن ينسحب في الدورة الأولى قبل أن يقترض فله ذلك (1) .
وحقيقة هذه الصورة أن كل واحد منهم يقرض من يستلم هذه الجمعية قبله ويقرضه من يستلمها بعده ، سوى الأول فهو مقترض فقط ، وسوى الأخير فهو مقرض لهم جميعا .
وقد اختلف أهل العلم في جواز هذه الصورة على قولين:
القول الأول:
أن هذه الصورة جائزة ، بل ذهب بعض أهل العلم إلى القول بأنه مندوب إليها (2) ، وقد أفتى بهذا القول من المتقدمين الإمام الحافظ
__________
(1) أما من اقترض فليس له حق الانسحاب حتى تدور هذه الجمعية دورة كاملة، أو يسدد لكل واحد منهم ما اقترضه منه عند طلبه له؛ لأن حقيقة استمراره حينئذ أنه يسدد للمشاركين ما اقترضه منهم.
(2) وممن قال بأنه مندوب إليها، فضيلة شيخنا محمد بن صالح بن عثيمين، وقال: (إن التعامل بها فيه تعاون على البر والتقوى). وقد سمعت ذلك من فضيلته في مجلس أو أكثر من مجالسه العلمية المباركة.الفقيه أبو زرعة الرازي الشافعي (1) ، وأفتى به من المتأخرين غالب أعضاء هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية ، وفي مقدمتهم سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز وفضيلة شيخنا محمد بن صالح بن عثيمين (2) . وأفتى به أيضا فضيلة شيخنا عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين عضو الإفتاء برئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة .
القول الثاني:
أنها محرمة ، لا يجوز التعامل بها ، وقد ذهب إلى هذا القول الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان ، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ من هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية (3) ، والشيخ عبد الرحمن البراك الأستاذ بكلية أصول الدين بالرياض .
ولهذا القول أدلة أهمها:
الدليل الأول:
أن كل واحد من المشتركين في هذه الجمعية إنما يدفع ما يدفع
__________
(1) ينظر حاشية قليوبي، ج 2 ص 285. وأبو زرعة هو: ولي الدين أحمد بن الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي. وهو إمام مُصَنِّف، وأحد قضاة مصر المشهورين، وكانت ولادته سنة 762 هـ، ووفاته سنة 826 هـ. ينظر طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1 \ 103، طبقات الحافظ للسيوطي ص 548، طبقات المفسرين للداودي 1 \ 50، البدر الطالع للشوكاني 1 \ 72.
(2) ينظر قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة رقم 164 في 26 \ 2 \ 1410هـ المنشور في مجلة البحوث الإسلامية ج 27 ص 349، 350، ورسالة اللقاء الشهري (9) للشيخ ابن عثيمين ص 39، 40.
(3) ينظر وجهة نظر الشيخ الدكتور صالح الفوزان حول القرار المُشَار إليه في التعليق السابق، ووجهة نظر الشيخ عبد العزيز آل الشيخ حول القرار المذكور.بصفة قرض مشروط فيه قرض من الطرف الآخر ، فهو قرض جر نفعا (1) ، فيكون محرما لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " « كل قرض جر نفعا فهو ربا » " (2) .
ولما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " « إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى له أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله ، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك » (3) " (4)
__________
(1) تنظر وجهتي النظر المشار إليهما في التعليق السابق.
(2) رواه أبو الجهم في جزئه، والحارث في مسنده، كما في نصب الراية 4 \ 60، والمطالب العالية 1 \ 411) من طريق سوار عن عمارة عن علي بن أبى طالب مرفوعا. وإسناده ضعيف جدا. سوار- وهو ابن مصعب الهمداني- قال البخاري: (منكر الحديث)، وقال أحمد وأبو حاتم: متروك، وقال النسائي: ليس بثقة، يُنْظَر الميزان 2 \ 246، ولسان الميزان 3 \ 128، 129، 129. وقال ابن عبد الهادي- كما في نصب الراية 4 \ 60- والحافظ في البلوغ ص 176، والمناوي في التيسير 2 \ 216: (إسناده ساقط)، وقال في نيل الأوطار 5 \ 351: (في إسناده سوار بن مصعب، وهو متروك... ووهم إمام الحرمين والغزالي فقالا: إنه صح. ولا خبرة لهما بهذا الفن). وقد حكم بضعف هذا الحديث أيضا السيوطي في الجامع الصغير ص 94، والشوكاني في الدراري المضية ص 315، وسماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (كما في كتاب الدعوة ص 152)، وقال الألباني في الإرواء 5 \ 236: (ضعيف جدا)، وذكر الموصلي في المغني ص 56 (أنه لم يصح في هذا الباب شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم). وينظر فيض القدير 5 \ 28، والتلخيص ص 3 \ 34.
(3) سنن ابن ماجه الأحكام (2432).
(4) رواه ابن ماجه في الصدقات باب القرض 2 \ 813 ، رقم 2432، والبيهقي في السنن الكبرى في البيوع باب كل قرض جر منفعة فهو ربا 5 \ 40249، 350، وابن الجوزي في التحقيق- كما في الإرواء- من طريق إسماعيل بن عياش حدثني عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي عن أنس. ثم قال البيهقي: قال المعمري: قال هشام في هذا الحديث: (يحيى بن أبي إسحاق الهنائي ولا أراه إلا وهم). وهذا حديث يحيى بن يزيد الهنائي عن أنس، ورواه شعبة ومحمد بن دينار فوقفاه. ورجَّح ابن التركماني في الجوهر النقي 5 \ 350 أنه ابن أبي إسحاق لا ابن يزيد. وهذا الإسناد ضعيف، إسماعيل بن عياش ضعيف فيما رواه عن غير أهل الشام، وشيخه هنا الضبي بصري، فروايته عنه ضعيفة. ينظر تهذيب الكمال لوحة (107، 108) وشيخه عتبة الضي ليس بالقوي كما قال الإمام أحمد. ينظر تهذيب التهذيب 7 \ 96، ويحيى إن كان ابن أبي إسحاق فهو مجهول كما في التقربب ص 587، وإن كان ابن يزيد فهو مقبول كما في التقريب ص 598. قال البوصيري في الزوائد 3 \ 70: (هذا إسناد فيه مقال، عتبة بن حميد ضعَّفه أحمد)، وقال أبو حاتم : صالح، وذكره ابن حبان في الثقات، ويحيى بن أبي إسحاق الهنائي لا يعرف حاله. وقد ضعَّف هذا الحديث أيضا البهوتي في الروض المربع 5 \ 47، والشوكاني في النيل 5 \ 350، وفي الدراري المضية ص 315، وابنه في السموط الذهبية ص 203، والشيح عبد الرحمن بن قاسم في الإحكام 3 \ 192، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني في السلسلة الضعيفة 3 \ 303، ورواه ابن المنذر في الأوسط في جماع أبواب السلف لوحة 12من طريق هشيم عن عتبة أبي معاذ عن يزيد بن يحيى عن أنس. وإسناده ضعيف، هشيم مدلس، وقد عَنْعَنَهُ، وعتبة ويزيد لم أجد مَن ترجم لهما. وقال ابن المنذر: (إسناد مجهول)، لا أعلمه ثابتا- وقد حسَّن هذا الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية كما والفتاوى الكرى 3 \ 243، 244، حيث رجَّح أن يحيى المذكور في الإسناد الأول هو ابن يزيد، وحسَّنه أيضا السيوطي في الجامع الصغير ص 20، وتبعه في تحسينه المناوي في التيسير 1 \ 76، وقال. (وهذا مُنَزَّل على الورع أو على ما إدا شرط عليه ذلك). وحسَّنه كذلك الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما في الدرر السنية في باب القرض 5 \ 115.ولما روي عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أنه قال: (كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجهه الربا) (1) .
ولما روي عن عطاء أنه قال: (كانوا- أي الصحابة- يكرهون كل قرض جر منفعة) (2)
__________
(1) رواه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب البيوع باب كل قرض جر منفعة فهو ربا 5 \ 350 من طريق إبراهيم بن منقذ حدثني إدريس بن يحيى عن عبد الله بن عياش قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق التجيبي عن فضالة بن عبيد فذكره. وهذا إسناد متصل رجاله ثقات سوى عبد الله بن عياش (وهو صدوق يغلط)، كما في التقريب ص 317، وإدريس بن يحيى- وهو الخولاني المصري الإمام الزاهد - قال ابن أبي حاتم: صدوق، وقال ابن حبان: (مستقيم الحديث). ينظر الجرح والتعديل 2 \ 265، والثقات 8 \ 133، والحلية 8 \ 319، والأنساب 4 \ 203، وسير النبلاء 10 \ 165. وقال الشيح محمد ناصر الدين في الإرواء 5 \ 253: (إدريس هذا لم أجد له ترجمة، ومن فوقه ثقات)، وقال الشيخ أحمد الشوكاني في السموط الذهبية ص 203: (في إسناده ضعف وله شواهد. وقد أشار إلى ضعف هذا الأثر أيضا الحافظ ابن حجر في البلوغ ص (176)، والبهوتي في الكشاف 3 \ 318، وفي شرح المنتهى 2 \ 227.
(2) رواه ابن أبى شيبة في البيوع والأقضية: من كره كل قرص جر منفعة 6 \ 180 عن أبي خالد عن حجاج عن عطاء به. وإسناده ضعيف، حجاج- وهو ابن أرطأة- مدلس وقد عنعنه، ينظر رسالة تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس ص (119).ولما ثبت عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه قال لأبي بردة :
(إنك في أرض الربا فيها فاش ، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فإنه ربا) (1) . وروي نحو هذا القول عن عمر وأبي بن كعب ، (2) وعلي بن أبي طالب (3) وابن مسعود (4) ،
__________
(1) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب مناقب عبد الله بن سلام رضي الله عنه (فتح الباري 7 \ 129، حديث 3814)، قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته على الروض المربع 5 \ 47: له حكم الرفع، وقال الحافظ في الفتح 7 \ 131: (ويحتمل أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام، وإلا فالفقهاء على أنه إنما يكون ربا إذا شرطه)، وينظر ما يأتي ص (255)
(2) روى عبد الرزاق في البيوع باب الرجل يهدي لمن أسلفه 8 \ 142، والبيهقي في البيوع باب كل قرض جر منفعة فهو ربا 5 \ 349 من طرق عن ابن سيرين عن عمر أنه رد تمرا أهداه إليه أُبي بن كعب لأنه استقرض منه، (فقال أبي: ابعث بمالك، لا حاجة لي في شيء منعك تمرتي، فقبلها عمر وقال: إنما الربا على من أراد أن يربي وينسئ). وإسناده ضعيف، ابن سيرين لم يدرك عمر. ينظر تهذيب التهذيب 9 \ 215. وقال البيهقي: (هذا منقطع)، وينظر مصنف ابن أبي شيبة كتاب البيوع: في الرجل يكون له على الرجل الدين فيهدي له 6 \ 177. وروى عبد الرزاق في الموضع السابق 8 \ 143، رقم (14652)، وابن أبي شيبة في الموضع السابق 6 \ 176، وابن المنذر في الأوسط كتاب البيوع باب جماع أبواب السلف لوحة (21)، والبيهقي في الموضع السابق 5 \ 351 من طريقين عن الأسود بن قيس عن كلثوم ابن الأقمر عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب، نحو قول عبد الله بن سلام رضي الله عنهما. وإسناده ضعيف، كلثوم بن الأقمر لم يوثقه سوى ابن حبان في الثقات 5 \ 336، وينظر اللسان 4 \ 489، وقال في الإرواء 5 \ 235: (هذا إسناد ضعيف).
(3) روى ابن أبي شيبة في الموضع السابق 6 \ 177 من طريق زيد بن أبى أنيسة أن عليا سئل عن الرجل يقرض الرجل القرض، ويهدي إليه، قال: (ذلك الربا العجلان)، وإسناده ضعيف، زيد بن أبي أنيسة لم يدرك علي بن أبي طالب، فهو منقطع ينظر تهذيب التهذيب 3 \ 398.
(4) رواه البيهقي في الموضع السابق 5 \ 350 من طريق ابن سيرين عنه بمعنى قول عبد الله بن سلام السابق. وإسناده ضعيف، محمد بن سيرين لم يدرك ابن مسعود رضي الله عنه، فهو منقطع، ينظر تهذيب الكمال لوحة (1209)، وقال البيهقي: (هذا منقطع).وعبد الله بن عمر (1) ، وأنس بن مالك (2) ، وابن عباس (3) ، رضي الله عنهم .
وروي أيضا عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل استقرض من رجل
__________
(1) روى عبد الرزاق في الموضع السابق 8 \ 144، رقم (14654) وابن المنذر في الموضع السابق عن الثوري عن أبى إسحاق قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: إني أقرضت رجلا قرضا، فأهدى لي هدية؟ قال: اردد عليه هديته أو أثبه. وإسناده ضعيف، أبو إسحاق- وهو السبيعي- مدلس ولم يصرح بالسماع. ينظر تعريف أهل التقديس. بمراتب الموصوفين بالتدليس ص 101. وقد رواه عبد الرزاق في الموضع السابق، رقم (14655) عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن رجل عن ابن عمر فذكره بنحوه وزاد: (أو احسبها له مما عليه). وإسناده ضعيف أيضا، لإبهام اسم الراوي عن ابن عمر. وقد صححه ابن حزم في المحلى 8 \ 86
(2) روى ابن أبى شيبة في الموضع السابق 6 \ 175 عن إسماعيل ابن علية عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن الرجل يهدي له غريمه فقال: (إن كان يهدي له قبل ذلك فلا بأس، وإن لم يكن يهدي له قبل ذلك فلا يصلح)، وإسناده ضعيف، قال في التقريب في ترجمة يحيى بن يزيد ص 598: (مقبول من الخامسة)، ويقال: هو ابن أبي إسحاق المتقدم، وقال في ترجمة يحيى بن أبي إسحاق الهنائي ص 587: مجهول.
(3) روى عبد الرزاق في الموضع السابق 8 \ 143، رقم (14651)، وابن المنذر في الأوسط في الموضع السابق، لوحة (20)، والبيهقي في الموضع السابق 6 \ 350، من طريقين عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد قال: كان لنا جار سماك عليه لرجل خمسون درهما، فكان يهدي إليه السمك، فأتى ابن عباس فسأله عن ذلك، فقال: (قاصه مما أهدى إليك). وإسناده صحيح، وصححه ابن حزم في المحلى 8 \ 86، وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما في الدرر السنة 5 \ 115: (رواه سعيد في سننه بإسناد صحيح). ورواه بنحوه البيهقي في الموضع السابق 6 \ 149، 150 من طريق العباس بن الوليد أخبرنا أبي ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي صالح فذكره. وإسناده حسن رجاله ثقات عدا العباس بن الوليد فهو صدوق كما في التقريب ص 294، وقال في الإرواء 5 \ 234: (إسناده صحيح). وروى عبد الرزاق في الموضع السابق، رقم 14650، واللفظ له، وابن أبي شيبة في الموضع السابق 6 \ 175، وابن المنذر في الأوسط في الموضع السابق من طريقين عن عكرمة عن ابن عباس قال: (إذا أسلفت رجلا سلفا فلا تقبل منه هدية كراع، ولا عارية ركوب دابة) وإسناده صحيح، وصححه ابن حزم في المحلى 8 \ 86.خمسمائة دينار على أن يفقره ظهر فرسه . فقال: (ما أصبت من ظهر فرسه فهو ربا) (1) .
وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (من أسلف سلفا فلا يشترط إلا قضاءه) (2) .
وقالوا: (وأيضا فقد أجمع أهل العلم على أن كل قرض جر نفعا فهو محرم وربا ) (3) .
__________
(1) روى عبد الرزاق في البيوع باب قرض جر منفعة 8 \ 145، رقم (14658)، وابن أبي شيبة في الموضع السابق 6 \ 178، وفي باب من كره كل قرض جر منفعة 6 \ 171، وابن المنذر في الموضع السابق، لوحة (21)، والبيهقي في الموضع السابق من طرق عن ابن سيرين عنه، وإسناده ضعيف. ابن سيرين لم يدرك ابن مسعود. ينظر تهذيب الكمال لوحة (1029).
(2) رواه مالك في الموطأ في البيوع باب ما لا يجوز من السلف 2 \ 682، ومن طريقه ابن المنذر في الموضع السابق، والبيهقي في الكبرى في الموضع السابق 5 \ 350، وفي الصغرى في البيع باب القرض 2 \ 273، رقم (1972) عن نافع عن ابن عمر إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(3) ينظر وجهة نظر الشيخ صالح الفوزان حول قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة في هذه المسألة. وينظر القوانين الفقهية لابن جزي المالكي الباب الثامن ص 190. وقد حكى إجماع أهل العلم على تحريم اشتراط المقرض المنفعة أو الزيادة في القرض ابن المنذر في الإجماع ص 120، وفي الأوسط لوحة (20)، وابن حزم في المحلى 8 \ 77، 467، 468، 494، والباجي في المنتقى 5 \ 97، وابن عبد البر في التمهيد 4 \ 68، وفي الاستذكار 21 \ 54، والقرطبي في تفسيره 3 \ 241، وابن قدامة في المغني 6 \ 436، وابن أبي عمر في الشرح الكبير 2 \ 482، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى 29 \ 334، 473، 30 \ 84، 162، وبرهان الدين بن مفلح في المبدع 4 \ 209، والحافظ والفتح 5 \ 57، والعيني في عمدة القاري 12 \ 45، 135، ويوسف بن عبد الهادي في مغني ذوي الأفهام ص 115، والهيثمي في الزواجر 1 \ 222، والمرداوي في الإنصاف 5 \ 131، والرملي في نهاية المحتاج 4 \ 230، 231، والشوكاني في نيل الأوطار 5 \ 350، والشيخ سليمان بن عبد الله في حاشيته على المقنع 2 \ 101، وسماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز كما في كتاب الدعوة ص 152، والشيخ عمر المترك في كتاب الربا والمعاملات المصرفية ص 188، 191. وقال ابن عابدين في رد المحتار 4 \ 175، عند كلامه على هذه المسألة: (ما نقل عن السلف محمول على ما إذا كانت المنفعة مشروطة، وذلك مكروه بلا خلاف).ويمكن أن يناقش هذا الدليل بأمرين:
الأمر الأول:
لا يسلم بأن في هذه الصورة من صور هذه المعاملة قرضا مشروطا من الطرف الآخر ، بل هو قرض معتاد ، إلا أنه يشارك في الإقراض أكثر من شخص ، فأول من يأخذ هذه الجمعية يعتبر مقترضا من جميع المشتركين فيها ، وكذلك من يأخذها في المرة الثانية يعتبر مقترضا ممن يأخذها بعده ومستوفيا لقرضه من الشخص الذي أخذها قبله ، وهكذا الثالث والرابع ومن بعدهم ، عدا آخرهم فهو إنما يستوفي ما أقرضه لجميع المشتركين في هذه الجمعية .
فحقيقة هذه المعاملة: أن كل واحد من المشتركين إنما هو مقرض لمن يأخذ هذه الجمعية قبله ، ومستقرض ممن يأخذها بعده ، عدا آخرهم فهو يستوفي حقه الذي أقرضه لهم جميعا .
الأمر الثاني:
عدم التسليم بأن كل قرض جر نفعا ممنوع مطلقا ، لما يلي:
1 - أن الحديث الأول ، وهو « كل قرض جر نفعا فهو ربا » حديث ضعيف جدا ، - كما سبق- لا يصح الاحتجاج به لمنع هذه المعاملة .
وكذلك الحديث الثاني: « إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى له » (1) . . . ) فهو حديث ضعيف أيضا ، كما سبق ، ثم إنه غير صريح في تحريم كل قرض
__________
(1) سنن ابن ماجه الأحكام (2432).جر نفعا ، وإنما منع من نفع معين يقدمه المقترض للمقرض بسبب القرض بدون شرط ، وهو أن يهدي إليه أو لمجمله على دابته ، وهذا كله محرم على الصحيح (1) ، وهو غامر موجود في هذه الصورة من صور هذه الجمعية ، لأن النفع الذي يحصل عليه المقرض في هذه المعاملة إنما يقدمه الأشخاص الآخرون المشاركون في هذه الجمعية ، والذين لم يقترضوا بعد ، حيث يقرضونه إذا جاء دوره ، أما من أقرضهم هو فإنما يستوفي قرضه منهم .
2 - أن ما ذكروه عن بعض الصحابة رضي الله عنهم بعضه غير ثابت ، وبعضه وارد في مسائل يكون النفع فيها مما يشرطه المقرض على المقترض دون أن يكون له أي فائدة تقابل تلك المنفعة سوى مجرد القرض ، أو مما يقدمه المقترض للدائن بسبب القرض بدون شرط (2) ، وهذا كله غير موجود في هذه الصورة من صور هذه المعاملة ، كما مر في الفقرة السابقة . ولو فرض أن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم أرادوا منع كل قرض جر نفعا للمقرض مطلقا ، سواء كان هذا النفع من المقترض أم من غيره ، وسواء كان للمقترض في ذلك فائدة أم لا ، فإنه معارض . مما روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم من إجازتهم للسفتجة (3) ، وإذا تعارضت
__________
(1) ينظر التعليق الآتي.
(2) ومن ذلك الهدية من المقترض للمقرض إذا لم يكن يهدي إليه قبل القرض، فيكون ذريعة إلى تأخير سداد القرض من أجل الهدية، وهو ربا. وعلى هذا يُحْمَل ما ورد عن عبد الله بن سلام وغيره من النهي عن قبول هدية المقترض. وسيأتي الكلام على هذه المسألة ص (257).
(3) السفتجة بفتح السين، وقيل بضمها، وقيل بكسرها: أن يعطي مالا لآخر وللآخر مال في بلد المعطي فيوفيه إياه في بلد المقرض. فيستفيد المقرض أمن الطريق ومؤونة حمل المال إن كان لحمله مؤونة. وجمعها سفاتج وسفتجات. والسفتجة: تطلق على الورقة التي يكتبها المقترض لوكيله في البلد الآخر ليسدد للمقرض ما اقترضه منه. وهي كلمة فارسية معربا. ينظر القاموس 1 \ 194، وتهذيب الأسماء 3 \ 149، والتعريفات ص 157، والمصباح ص 278، والمطلع ص 260، 261، ومواهب الجليل 4 \ 548 وسيأتي الكلام على حكمها ص 256، 257أقوآله م تساقطت .
فقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: (لا بأس أن يعطي المال بالمدينة ويأخذه بأفريقية ) (1) .
وروي عن أبي شعيب مولى الأنصار أنه استسلف بأفريقية دينارا جرجيريا من رجل على أن يعطيه بمصر منقوشا ، فسأل ابن عمر عن ذلك ، فقال: (لولا الشرط الذي فيه لم يكن به بأس) (2) .
وروي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أنه كان يأخذ من قوم
__________
(1) رواه ابن أبي شيبة في البيوع والأقضية: في الرجل يعطي الرجل الدرهم بالأرض ويأخذ بغيرها 6 \ 276، 277 وابن المنذر في الأوسط لوحة (21، 22) عن إسماعيل قال: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة قال حدثنا حفص بن غياث عن عبد الله بن عبد الرحمن بن موهب عن حفص بن أبي المعتمر عن أبيه عن علي رضي الله عنه، وإسناده ضعيف، حفص بن غياث تغير حفظه قليلا في الآخر ينظر ملحق الكواكب النيرات ص 459، وعبيد الله مقبول كما في التقريب ص 372، وحفص بن أبي المعتمر، ذكره ابن حبان في الثقات 6 \ 198، وذكره البخاري في الكبير 2 \ 368، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 \ 187 ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، وأبوه لم أقف على من وثقه. وينظر التاريخ الكبير 8 \ 73. وروى ابن المنذر لوحة (21) عن إسماعيل بن قتيبة قال حدثنا علي بن حكيم قال: حدثنا شريك عن محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن سعيد بن المسيب قال: إن عليا أعطى مالا بالمدينة، وأخذه بأرض أخرى، وإسناده ضعيف، شريك- وهو النخعي القاضي- صدوق يخطئ كثيرا، وتغير حفظه لما ولي قضاء الكوفة كما في التقريب ص 266، ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعنه. ورواه البيهقي في معرفة السنن 8 \ 170، رقم 11524 من طريق علي بن حكيم عن شريك عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب. وإسناده ضعيف، لضعف شريك، ولتدليس قتادة.
(2) رواه ابن وهب كما في المدونة في بيوع الآجال: في السلف الذي يجر منفعة 3 \ 195 عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي شعيب مولى الأنصار، ولم أقف على ترجمة أبي شعيب فيما بين يدي من المصادر، أما رواية ابن لهيعة هنا فهي قوية؛ لأنها من رواية ابن وهب عنه.بمكة دراهم ، ثم يكتب بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق فيأخذونها منه ، فسئل ابن عباس عن ذلك ، فلم ير به بأسا (1) .
وروي عن الحسن بن علي رضي الله عنه أنه كان يأخذ المال بالحجاز ، ويعطيه بالعراق ، ويأخذه بالعراق ويعطيه بالحجاز (2) .
3 - أن النفع الذي وقع الإجماع على أنه ربا هو ما يشترطه المقرض على المقترض دون أن يكون للمقترض فائدة تقابل هذا النفع سوى مجرد القرض . ويدل على ذلك ما يلي:
أ- أن بعض العلماء من الصحابة ومن بعدهم أجازوا السفتجة (3) مع أن فيها نفعا للمقرض (4) .
__________
(1) رواه ابن أبي شيبة في البيوع والأقضية، في الرجل يعطي الرجل الدرهم بالأرض ويأخذ بغيرها 6 \ 277، وابن المنذر في الأوسط في البيوع، ذكر السفاتج لوحة (22)، والبيهقي في الكبرى في البيوع باب ما جاء في السفاتج 5 \ 352 واللفظ له من طريق حجاج بن أرطأة عن عطاء بن أبي رباح به، وإسناده ضعيف، حجاج بن أرطأة صدوق كثير الخطأ والتدليس كما في التقريب ص (152)، وقد رواه معنعنا. ورواه بنحوه عبد الرزاق في البيوع باب السفتجة 8 \ 140، رقم (14642)، وابن المنذر في الموضع السابق، وابن أبي شيبة في الموضع السابق 6 \ 279 من طريقين عن ابن جريج عن عطاء به. وإسناده ضعيف، ابن جريج مدلس، وقد رواه معنعنا، ينظر تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس ص (95).
(2) رواه ابن المنذر في الأوسط في الموضع السابق وابن أبي شيبة في الموضع السابق من طريق حفص عن حجاج عن أبي مسكين وخارجة عمن حدثه عن الحسن بن علي. وإسناده ضعيف، لتدليس حجاج بن أرطأة، ولإبهام الراوي عن الحسن رضي الله عنه.
(3) سبق تعريف السفتجة ص (255).
(4) سبق ذكر من روي عنه إجازة هذه المعاملة من الصحابة رضي الله عنهم ص (256، 257) والصحيح في هذه المسألة هو القول الوسط، وهو أن السفتجة جائزة إذا كان فيها إرفاق بالمقترض، سواء انتفع بذلك المقرض أم لا، فيجوز أن يسلفه ما ليس لحمله مؤونة ويشترط عليه أن يسلمه له في مكان آخر، إذا لم يكن في ذلك ضرر أو مشقة على المقترض كخطر طريق ونحوه، ويجوز أن يقرضه ما لحمله مؤونة، ويشترط عليه تسليمه في مكان آخر، إذا كان فيه إرفا ق بالمقرض، كأن يكون محتاجا له في هذا البلد، وعنده ما يماثله في بلد آخر ونحو ذلك، فالمستقرض إنما يقصد نفع نفسه، ويحصل انتفاع المقرض ضمنا، ففي هذا منفعة للمقرض والمقترض معا، والشرع لا يرد لتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل يرد بمشروعيتها، وإنما يرد بتحريم ما فيه مضرة أو مفسدة، ينظر المغني 6 \ 436، 437، ومجموع فتاوى ابن تيمية 29 \ 455، 456، وتهذيب السنن 5 \ 152، 153، وإعلام الموقعين 2 \ 11، 12، والتفريع 2 \ 139، والأوسط لابن المنذر لوحة (22)، وزوائد الكافي 1 \ 144، والإنصاف 5 \ 131، 132، وهداية الراغب ص 345. وقال الدكتور رفيق المصري في كتابه القيم: (ربا القرض وأدلة تحريمه) ص (94، 95)، عند كلامه على السفتجة ما نصه. (فهاهنا يُنْظَر إلى المنفعة الإضافية للسفتجة، فإنها منفعة واحدة لكل من الطرفين، فإذا كانت هذه المنفعة منفعة للمقترض، فكيف نمنعها عن المقرض؟ قال عمر بن الخطاب: لِمَ تمنع أخاك ما ينفعك وهو لك نافع؟ فمن الواجب أن تنفع أخاك بما لا يضرك ومن باب أولى أن تنفع أخاك بما ينفعك) ا هـ. وينظر الاختيارات الجلية للبسام 3 \ 66، 67، وكتاب الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية الباب الثاني المسألة السادسة: السفتجة ص (279-284).ب- أن بعض العلماء أجاز بعض القروض التي فيها نفع للمقرض ، مع أنه ليس للمقترض فيها فائدة سوى مجرد القرض ، مثل أن يفلس غريمه فيقرضه دراهم يوفيه كل شهر شيئا معلوما من ربحها ، ومثل ما لو أقرض فلاحه ما يشتري به بذرا أو آلات حرث ليعمل بها في أرضه ، ومثل ما إذا أراد إرسال نفقة إلى أهله فأقرضها لرجل ليوفيها لهم ونحو ذلك (1) وبعض الفقهاء كره مثل هذه القروض ولم يحرمها (2) .
ج- أن بعض الفقهاء صرح بجواز القرض الذي شرط فيه منفعة للمقرض ، إذا كان فيه للمقترض منفعة أقوى منها (3) .
د- أن فريقا من العلماء أجازوا إقراض من عرف بحسن القضاء
__________
(1) تهذيب سنن أبي داود 5 \ 152، 153، الكافي لابن قدامة 2 \ 126، 127، شرح المنتهى 2 \ 227، الكشاف 3 \ 318، المبدع 4 \ 211، 212، الإنصاف 5 \ 132، 134.
(2) المبدع 4 \ 211، الإنصاف 5 \ 134، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 7 \ 210.
(3) ينظر شرح المنهج مع حاشيته للجمل 3 \ 261، 262، نهاية المحتاج 4 \ 231لكرمه وسخائه ، رجاء الزيادة عند القضاء (1) .
هـ- أن بعض الفقهاء أجاز النفع والهدية من المقترض للمقرض قبل سداد القرض ، إذا لم يشترط ذلك عند القرض ، ولو لم يكن ذلك من عادتهما قبل ذلك (2) .
وقد استدل أبو محمد ابن حزم رحمه الله على جواز قبول هدية
__________
(1) ينظر مصنف ابن أبي شيبة 7 \ 176، المهذب مع المجموع 13 \ 183، روضة الطالبين 4 \ 34، شرح روض الطالب 2 \ 142، الفروع وتصحيحه 4 \ 204، المبدع 4 \ 210، نيل المآرب 1 \ 368، نهاية المحتاج 4 \ 231، حاشية الجمل على شرح المنهج 3 \ 261. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى كراهة إقراض من اشتهر بحسن قضائه مطلقا، وبعضهم قال بتحريمه، وقد اعتمدوا فيما ذهبوا إليه على أنه قرض جر نفعا، فيكون مكروها أو محرما. ينظر المراجع السابقة، وينظر شرح الوجيز 9 \ 377، زوائد الكافي 1 \ 144، حلية العلماء 4 \ 399، 400، حاشية العدوي 2 \ 152، ولو أنهم نظروا في جميع النصوص الواردة في المسالة، وتأملوا الحكمة التي من أجلها منعت بعض القروض لما قالوا بمثل هذا القول. قال ابن قدامة في المغني 6 \ 439: (إن كان الرجل معروفا بحسن القضاء لم يكره إقراضه، وقال القاضي: فيه وجه آخر أنه يكره؛ لأنه يطمع في حسن عادته، وهذا غير صحيح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان معروفا بحسن القضاء، فهل يسوغ لأحد أن يقول: إن إقراضه مكروه- ولأن المعروف بحسن القضاء خير الناس وأفضلهم، وهو أولى الناس لقضاء حاجته وإجابة مسألته، وتفريج كربته، فلا يجور أن يكون ذلك مكروها)، وينظر الكافي لابن قدامة 2 \ 125، 126، الشرح الكبير لابن أبي عمر 2 \ 483، الإنصاف 5 \ 132، الإقناع وشرحه كشاف القناع ج 3 ص 318، وسيأتي ذكر الأحاديث التي فيها الندب إلى حسن القضاء ص (261، 262 ).
(2) ينظر المحلى 8 \ 85-87، المبسوط 14 \ 35، المسائل التي انفرد بها الإمام الشافعي ص 148، رحمة الأمة ص 145، الفروع 4 \ 204، المبدع 4 \ 210. وينظر حاشية الجمل على شرح المنهج 3 \ 261. والصحيح عدم جواز هذه الهدية أو هذا النفع إذا لم يكن ذلك من عادتهما قبل القرض؛ لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى تأخير الدين من أجل الهدية، فيكون ربا، فإنه يعود إليه ماله، وزيادة هذه الهدية أو هذا النفع الذي استفاده بسبب القرض. ينظر إعلام الموقعين 3 \ 142، والقوانين الفقهية ص 190، وينظر ما سبق ص (255، 253) وص (255) تعليق (2).المقترض مطلقا إذا كان بدون شرط بقول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما رد هدية أبي بن كعب رضي الله عنه ثم قبلها لما أراد أبي أن يرد عليه ماله بسبب ذلك قال: (إنما الربا على من أراد أن يربي وينسئ) (1) .
و- أن كثيرا من العلماء (2) الذين حكوا الإجماع في هذه المسألة ذكروا أن أهل العلم أجمعوا على أن المنفعة أو الزيادة التي يشترطها المقرض على المستقرض ربا . والربا معناه في اللغة الفضل والزيادة (3) . وفي الاصطلاح عرفه بعضهم بقوله: (هو فضل أحد المتجانسين على الآخر من مال بلا عوض) (4) . وعرفه آخرون بقولهم: (الزيادة في أشياء مخصوصة) (5) . وهذا يدل على أن الإجماع إنما وقع على تحريم المنفعة أو الزيادة التي يشترطها المقرض على المقترض ولا يقابلها أي منفعة له ، لا أنهم أجمعوا على تحريم كل منفعة تحصل للمقرض بسبب هذا القرض .
قال الشاطبي عند كلامه على ربا الجاهلية: (وإذا كان كذلك وكان المنع فيه إنما هو من أجل كونه زيادة على غير عوض ألحقت به السنة كل ما فيه زيادة بذلك المعنى) ثم ذكر ربا الفضل وأعقبه بذكر ربا النسيئة ثم
__________
(1) المحلى 8 \ 86. وقد سبق تخريج هذا الأثر ص (251) تعليق (2).
(2) ومنهم ابن المنذر في الأوسط لوحة (20)، والإجماع ص (120)، وابن عبد البر في التمهيد 4 \ 68، والقرطبي في تفسيره 3 \ 241، والعيني في عمدة القاري 12 \ 45، 135، وسماحة شيخنا عبد العزيز بن باز كما في كتاب الدعوة، الجزء الأول ص (152).
(3) الصحاح 6 \ 2349، المطلع ص (239)، حلية الفقهاء ص (125)، المصباح 1 \ 217.
(4) أنيس الفقهاء، ص (214).
(5) العدة شرح العمدة ص 220، الروض المربع (مطبوع مع حاشيته للعنقري 2 \ 106).قال: (ويدخل فيه بحكم المعنى السلف يجر نفعا . . . فالزيادة على ذلك من باب إعطاء عوض على غير شيء ، وهو ممنوع) (1) .
وقال الكاساني عند استدلاله على تحريم اشتراط منفعة أو زيادة في القرض ، قال: (لأن الزيادة المشروطة تشبه الربا ، لأنها فضل لا يقابله عوض . . . هذا إذا كانت الزيادة مشروطة في القرض ، فأما إذا كانت غير مشروطة ولكن المستقرض أعطاه أجودهما فلا بأس بذلك ، لأن الربا اسم لزيادة مشروطة في العقد ، ولم توجد) (2) .
4 - أنه قد وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على استحباب الزيادة عند قضاء القرض :
ومن ذلك ما رواه مالك والشافعي ومسلم عن أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم « استسلف من رجل بكرا (5) .
فقال: " أعطة إياه ، إن خيار
__________
(1) الموافقات 4 \ 41، 42.
(2) بدائع الصنائع 7 \ 395، وينظر فتح القدير 7 \ 3، 4، 8، عمدة القارئ 16 \ 277، ورد المحتار 4 \ 174، والروضة الندية 2 \ 263.
(3) صحيح مسلم المساقاة (1600),سنن الترمذي البيوع (1318),سنن النسائي البيوع (4617),سنن أبو داود البيوع (3346),سنن ابن ماجه التجارات (2285),مسند أحمد بن حنبل (6/390),موطأ مالك البيوع (1384),سنن الدارمي البيوع (2565).
(4) قال السندي في حاشيته على المجتبى للنسائي 7 \ 291: (بكرا) بفتح فسكون الفتى من الإبل كالغلام من الإنسان. (3)
(5) (4) ، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة ، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرا ، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا قال السندي في الموضع السابق: رباعيا، كثمانيا، وهو ما دخل في السنة السابعة، لأنها زمن ظهور رباعيته، والرباعية بوزن ثمانية (خيارا)، مختارا، وفيه أن رد القرض بالأجود من غير شرط من السنة ومكارم الأخلاق.الناس أحسنهم قضاء » .
وما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه « أخذ سنا فجاء صاحبه يتقاضاه ، فقالوا له ، فقال: " إن لصاحب الحق مقالا » (1) واللفظ للبخاري ، وفي لفظ لمسلم : « استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سنا ، فأعطى سنا فوقه ، وقال: " خياركم محاسنكم قضاء » (2) (3) .
فكيف يقال مع وجود هذه النصوص بتحريم كل قرض جر نفعا بإطلاق ، ففيها ما يدل على جواز الزيادة للمقرض عند الوفاء ، بل ما يدل على استحبابه (4) .
5 - أنه لو قيل بمنع كل قرض يجر نفعا للمقرض من أي وجه لوجب منع القرض المعتاد ، لأن المقرض يحصل من قرضه على منافع معنوية وحسية ، منها: أن ماله سيكون مضمونا عند المقترض متى ما أراده طلبه منه ، بخلاف ما لو أودعه ، فإنه لو تلف عند المودع بدون تفريط منه أو تعد لم يضمنه ، وقد يكون المقرض في مكان غير آمن ، أو يريد أن
__________
(1) صحيح البخاري الهبة وفضلها والتحريض عليها (2467),صحيح مسلم المساقاة (1601),مسند أحمد بن حنبل (2/456).
(2) صحيح البخاري في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس (2262),صحيح مسلم المساقاة (1601),سنن الترمذي البيوع (1317),سنن النسائي البيوع (4618),سنن ابن ماجه الأحكام (2423),مسند أحمد بن حنبل (2/377).
(3) صحيح البخاري مع الفتح كتاب الاستقراض باب استقراض الحيوان 5 \ 56، رقم (2390)، وكتاب الهبة باب من أهدي له هدية 5 \ 227، رقم (2609)، وصحيح مسلم كتاب المساقاة باب من استسلف شيئا فقضى خيرا منه 3 \ 1225، رقم (1601). ورواه الترمذي (1316، 1317)، والنسائي 7 \ 291 بنحو رواية مسلم.
(4) ومع ذلك فقد كره بعض الفقهاء إقراض من عرف بحسن القضاء، وبعضهم قال بتحريمه. وقد سبق ذكر من قال بذلك ص (259) حاشية (1).يسافر ولم يجد من يودع ماله عنده ، فيلجأ إلى إقراض ماله لشخص محتاج إليه ليكون في ذمته ، فمتى احتاج إليه طلبه منه .
ومن المنافع التي يحصل المقرض عليها أيضا: أنه سيكون له يد ومنة على المقترض ، لمساعدته له وإحسانه إليه ، وربما قصد المقرض ذلك ليستفيد منه فيما بعد ، إما بأن يقرضه أو يشفع له أو يكفله أو لغير ذلك من المقاصد الكثيرة .
قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: (وأما قولكم: (إنه سلف جر منفعة) فكان ماذا؟ أين وجدوا النهي عن سلف جر نفعا ، فليعلموا الآن أنه ليس في العالم سلف إلا وهو يجر منفعة ، وذلك انتفاع المسلف بتضمين ماله ، فيكون مضمونا تلف أو لم يتلف ، مع شكر المستقرض إياه ، وانتفاع المستقرض بمال غيره مدة ما ، فعلى قولهم: (كل سلف فهو حرام) ، وفي هذا ما فيه) (1) فإذا علم هذا تبين أن النفع المحرم هو ما يلي: 1- ما يشترطه المقرض على المقترض دون مقابل سوى مجرد القرض ، وهو الذي أجمع أهل العلم على تحريمه .
2 - ما يقدمه المقترض للدائن بسبب القرض دون شرط .
وهكذا كله غير موجود في هذه الصورة من صور هذه الجمعية ، لأن النفع الذي يحصل المقرض لا يقدمه المقترض أصلا ، وإنما يقدمه غيره من المشتركين في هذه الجمعية ، وهو أيضا نفع ليس فيه زيادة لطرف على
__________
(1) المحلى 8 \ 87، ومع ذلك فقد قال بعض الفقهاء لتحريم كل قرض يجر للمقرض أي منفعة، ينظر المدونة 3 \ 194، مواهب الجليل 4 \ 546، 547، الخرشي 5 \ 231، 232، وليس لهم دليل سوى حديث: ''كل قرض جر نفعا فهو ربا'' وهر ضعيف جدا، كما سبق ص 255.طرف آخر ، وإنما هو نفع مشترك بين كل المقرضين في الجمعية سوى آخرهم فهو محسن ، لأنه يقرض ولا يستقرض .
الدليل الثاني: أن القرض المشروع ما كان مبتغى به وجه الله تعالى ، ويقصد به الإرفاق بالمقترض ، ولهذا نهي المحسن أن يتخذ قرضه وسيلة للانتفاع ممن أحسن إليه (1) .
ويمكن أن يجاب عن هذا الدليل بأن قولهم: (إن القرض المشروع ما كان يبتغى به وجه الله) ليس على إطلاقه ، فالقرض من المعاملات التي إن ابتغي بها وجه الله أثيب عليها ، وإن أريد بها منافع دنيوية كانت مباحة ، فهو كإنظار المعسر ، فإنه إن أنظره ابتغاء وجه الله أثيب على ذلك ، وإن أنظره ، لأن رفع أمره إلى القاضي ربما يتسبب في سجن المدين ، فلا يتمكن من سداد دينه ، أو أنظره لانشغاله عن رفع أمره إلى القضاء أو لأن ذلك سيشق عليه ونحو ذلك لم يثب عليه ، ومثل ذلك العارية والهدية (2) .
فالأصل في مشروعية القرض واستحبابه الإرفاق بالمقترض ، وتفريج
__________
(1) ينظر وجهة نظر الشيخ عبد العزيز آل الشيخ حول قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة في هذه المسألة. وينظر القوانين الفقهية ص190، والمهذب للشيرازي 1 \ 304، والمغني 6 \ 436، والروض المربع 5 \ 44، 45، وهداية الراغب ص 344، والعدة شرح العمدة ص 239، وفتح الوهاب 1 \ 192.
(2) ولذلك أجاز بعض العلماء الهدية بقصد الثواب العاجل من المهدى إليه. ينظر الكافي لابن قدامة 2 \ 468، مجموع فتاوى ابن تيمية 31 \ 283- 293، نيل الأوطار 6 \ 109، 115، حاشية الروض المربع للشيخ عبد الرحمن بن قاسم 6 \ 5، 6. وأيضا فإن الوعيد إنما ورد في حق من ابتغى بالصدقة غير وجه الله، أما هذه المعاملات فلم يرد فيها شيء من ذلك.كربته ، "فإن ابتغى به المقرض منفعة دنيوية (1) لم يثب عليه ، ولا دليل على تحريمه ، وبعض العلماء كرهه لما فيه من طلب النفع العاجل ، وتفويت الثواب الآجل ، ولم يحرمه .
قال الإمام ابن القيم : (وباب القرض من جنس باب العارية والمنيحة وإفقار الظهر . . . وليس هذا من باب البيع في شيء ، بل هو من باب الإرفاق والتبرع والصدقة ، وإن كان المقرض قد ينتفع أيضا بالقرض ، كما في مسألة السفتجة ، ولهذا كرهها من كرهها ، والصحيح أنه لا تكره لأن المنفعة لا تخص المقرض بل ينتفعان بها جميعا) (2) .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم (3) رحمه الله في جواب له على سؤال لأحد السماسرة ، يذكر فيه أنه يقرض بعض من يتولى بيع أموآله م ، ويستوفي قرضه من مالهم إذا باعه ، ويذكر فيه أيضا أنه يتخذ هذه الطريقة لترغيب الجالبين وإيثارهم إياه دون غيره ، قال رحمه الله: (لا شك أن أصل مشروعية القرض واستحبابه التقرب إلى الله بتفريج كرب المحتاجين ، وهذا القرض (4) ليس مقصدا من مقاصدك في الإقراض ، وإنما غرضك جر منفعة لذلك ، وحيث إن هذه المنفعة لا تنقص المقترض شيئا من ماله فغاية ما في الأمر الكراهة) .
الدليل الثالث:
__________
(1) سبق ذكر بعض المنافع الدنيوية المعنوية والحسية التي يحصل عليها المقرض من القرض ص (262، 263).
(2) إعلام الموقعين 2 \ 11، 12، وينظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ج20 \ 1515.
(3) ينظر مجموع فتاواه ورسائله التي جمعها الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم ج 7، ص (210).
(4) لعل صوابه (الغرض).أن في هذه المعاملة شرط عقد في عقد ، فهي بيعتان في بيعة المنهي عنه (1) فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه « نهى عن بيعتين في بيعة » وثبت
__________
(1) ينظر وجهة نظر الشيخ الدكتور صالح الفوزان حول قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة في هذه المسألة.عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (صفقتان في صفقة ربا) (1) .
__________
(1) رواه ابن أبي شيبة في البيوع والأقضية: الرجل يشتري من الرجل فيقول: إن كان بنسيئة فبكذا وإن كان نقدا فبكذا 6 \ 119، وأبو عبيد في غريب الحديث 4 \ 110، وابن حبان في موارد الظمآن كتاب البيوع باب ما نهي عنه في البيع ص (272)، رقم 1111، والطبراني في الكبير كما في نصب الراية 4 \ 20، والعقيلي في الضعفاء 3 \ 288 من طريق سفيان عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعود به. وزاد ابن أبى شيبة في آخره: (أن يقول الرجل: إن كان بنقد فبكذا، وإن كان بنسيئة فبكذا)، وإسناده حسن، رجاله ثقات، عدا سماك فهو صدوق، تغير بأخرة كما في التقريب ص (255)، وسفيان ممن روى عنه قبل تغيره، فروايته عنه مستقيمة، ينظر الكواكب النيرات ص (240)، وقد صحح هذا الإسناد الشيخ محمد ناصر الدين في الإرواء 5 \ 148. ورواه الإمام أحمد في مسنده (5 \ 274، رقم 3725 تحقيق شاكر)، وابن حبان في موارد الظمآن الموضع السابق، رقم (1112)، وابن عبد البر في الاستذكار في كتاب البيوع باب النهى عن بيعتين لا بيعة 20 \ 173، رقم (29680) من طريق شعبة عن سماك به، وشعبة ممن روى عن سماك قبل تغيره تنظر الكواكب النيرات ص (240)، فالإسناد حسن كسابقه، وقد صححه الشيخ أحمد شاكر. ورواه عبد الرزاق في مصنفه في البيوع باب البيع بالثمن إلى أجلين 8 \ 138، رقم (14633) عن إسرائيل عن سماك له بلفظ: (لا تصلح الصفقتان في الصفقة)، أن يقول: (هو بالنسيئة بكذا وكذا، وبالنقد بكذا وكذا)، وإسرائيل لم يذكر ممن سمع من سماك قبل تغيره. ورواه عبد الرزاق أيضا في البيوع باب بيعتان في بيعة 8 \ 138، 139، رقم (14636) عن الثورى وإسرائيل عن سماك به. وإسناده حسن. وقد سبق الكلام على رواية سفيان عن سماك قريبا. ورواه كذلك عبد الرزاق في الموضع السابق 8 \ 139، رقم (14637) عن الثوري عن جابر عن الشعبي عن مسروق بلفظ: ( 091 لا تحل الصفقتان في الصفقة )، وإسناده ضعيف، رجاله ثقات، عدا جابر- وهو الجعفي- فهو ضعيف رافضي كما في التقريب.ويمكن أن يجاب عن الاستدلال بالحديث السابق بجوابين:
الجواب الأول:
أنه قد اختلف في تفسير (بيعتين في بيعة ) المنهي عنه في هذا الحديث على أقوال أهمها:
القول الأول: أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة ، أو يبيعه سلعة بثوب أو شاة ، فيتفرقا على ذلك ، فلا يدري أيهما الثمن (1) .
القول الثاني: أن يشترط أحد المتعاقدين على صاحبه عقدا آخر (2) ، كأن يقول: أبيعك داري هذه بكذا ، على أن تبيعني غلامك بكذا ، فإذا وجب لي غلامك وجبت لك داري (3) ، ومثله لو قال: أبيعك داري بكذا على أن تؤجرني دارك بكذا ، أو على أن تشتري مني داري الأخرى بكذا ، أو على أن أؤجرك ، أو على أن تزوجني ابنتك ، أو على أن أزوجك
__________
(1) ينظر الموطأ 2 \ 663، غريب الحديث لأبي عبيد 4 \ 110، الإقناع لابن المنذر 1 \ 251، المنتقى للباجي 5 \ 9، شرح السنة 8 \ 143، المحلى 9 \ 15، القبس 2 \ 842، الاستذكار 20 \ 171- 181.
(2) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 5 \ 21، التمهيد 24 \ 391.
(3) ينظر المراجع السابقة، وينظر التمهيد 24 \ 391، وشرح الزركشي 3 \ 659، ونيل الأوطار 5 \ 249، والنهاية 1 \ 173، وجامع الأصول 1 \ 534.ابنتي ، أو على أن تنفق على عبدي أو دابتي (1) ، أو يقول: أبيعك سلعتي بدينار على أن تعطيني بالدينار إذا حل كذا وكذا درهما ، أو يقول: أبيعك سلعتي هذه بمائة درهم على أن تعطيني دنانير ، كل دينار بعدد من الدارهم (2) .
القول الثالث: أن يقول: اشتري منك هذه الخمسة عشر صاعا عجوة أو هذه الاثني عشر صاعا من الحنطة بدينار ، قد وجبت لي إحداهما (3) ، أو يقول: بعتك هذا العبد بألف دينار نقدا أو بألفين إلى سنة ، قد وجب لك البيع بأيهما شئت أنا أو شئت أنت (4) .
القول الرابع: أنه بيع ما ليس عند ، كأن يقول الرجل: ابتع لي بعير فلان بنقد ، فأبتاعه منك إلى أجل (5) .
القول الخامس: أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة درهم نقدا ، وبمائتي درهم نسيئة (6) .
القول السادس: أن يقول: الساحة تساوي كذا نقدا وأبيعكها بكذا
__________
(1) المغني 6 \ 232، 233، مغني المحتاج 2 \ 31، الدرر السنية في الأجوبة النجدية 5 \ 21.
(2) مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص 202، مصنف عبد الرزاق 8 \ 139، الأم 3 \ 78، الإقناع لابن المنذر 1 \ 251، معالم السنن 5 \ 98، المحلى 9 \ 15، المغني 6 \ 332.
(3) قال الإمام مالك والموطأ 2 \ 664 بعد ذكره لهذه الصور وغيرها مما يشبهها قال: (فهذا أيضا مكروه، لا يحل، وهو أيضا يشبه ما نهى عنه من بيعتين في بيعة...)، وينظر التمهيد 24 \ 390، وبداية المجتهد (مطبوع مع تخريجه الهداية 7 \ 266)، وعارضة الأحوذي 5 \ 239.
(4) الاستذكار 20 \ 175 التمهيد 24 \ 391، وهذا القول قريب من القول الأول.
(5) ينظر الموطأ مع شرحه المنتقى 5 \ 38، وعارضة الأحوذي 5 \ 239، والاستذكار 20 \ 173، 174.
(6) السنن الصغرى (المجتبى) للنسائي 7 \ 295، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7 \ 225.مؤجلا (1) .
القول السابع: أن يسلفه دينارا في قفيز حنطة إلى شهر ، فإذا حل الأجل وطالبه بالحنطة قال: بعني القفيز الذي لك علي إلى شهرين بقفيزين ، فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول (2) .
القول الثامن: أن يبيع السلعة بثمن مؤجل ، ثم يشتريها ممن باعها عليه بثمن حال أنقص مما باعها به ، وهو بيع العينة (3) .
وبعض العلماء جعل بعض الأقوال والصور السابقة أمثلة لبيعتين في بيعة ، كما فعل ابن حزم وابن قدامة وغيرهما .
والراجح من هذه الأقوال هو القول الأخير والذي قبله ، فكلا الصورتين المذكورتين فيهما تدخلان في عموم هذا الحديث دون غيرهما من الصور لما يلي:
__________
(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية عند ذكره لما فسر به حديث: ''من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا'' قال: (والثاني أن يقول: هي بنقد بكذا وأبيعه بنسيئة بكذا كالصورة التي ذكرها ابن عباس، قال: إذا استقمت بنقد فبعت بنقد فلا بأس، وإذا استقمت بنقد فبعت بنسيئة فلا خير فيه، ومعنى استقمت: أي قومت السلعة، يعني إذا قومت السلعة بنقد فلا تبعها بنسيئة، معناه إذا قومتها بنقد بعشرة مثلا، يجعلها بأكثر نسيئة، يعني إذا قلت هي بنقد بكذا وأبيعها بنسيئة بكذا، فيكون قد جمع صفقي النقد والنسيئة في صفقة واحدة، وجعل النقد معيار النسيئة، وهذا مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم: '' فله أوكسهما أو الربا'' فإن مقصوده حينئذ هو بيع دراهم عاجلة بآجلة، فلا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين، وهو مقدار القيمة العاجلة، فإن أخذ الربا فهو مربي)، ينظر الدرر السنية في الأجوبة النجدية 5 \ 20، 21، وينظر أيضا ص (22) من الجزء نفسه.
(2) معالم السنن 58 \ 98. وقد جعل الخطابي هذه الصورة تفسيرا لرواية ابن أبي شيبة وأبي داود السابقة. وينظر نيل الأوطار 5 \ 249.
(3) الاستذكار 20 \ 175، بداية المجتهد (مطبوع مع تخريجه الهداية 7 \ 267)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 29 \ 432، 436، 441، تهذيب السنن 5 \ 106، 148.1 - أن قوله في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود ومن وافقهما: " فله أوكسهما " يدل على أن الشيء الواحد بيع مرتين ، إحداهما أقل ثمنا من الأخرى (1) .
2 - أن قوله في الرواية المشار إليها آنفا: " أو الربا " يخرج جميع الصور والمسائل التي لا ربا فيها .
3 - أن بعض الصور السابقة لا يوجد فيها صفقتان ، وإنما فيها صفقة واحدة (2) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: للناس في البيعتين في البيعة ، تفسيران ، أحدهما: أن يقول: (هو لك بكذا بنقد ، أو بنسيئة بكذا) كما رواه سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة ، » (3) قال سماك : هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنسأ بكذا ، وبنقد بكذا وكذا .
رواه الإمام أحمد ، وعلى هذا فله وجهان: أحدهما: أن يبيعه بأحدهما مبهما ويتفرقا على ذلك ، وهذا تفسير جماعة من أهل العلم ، لكنه يتعذر من هذا الحديث ، فإنه لا مدخل للربا هنا ، ولا صفقتين هنا ، وإنما هي صفقة
__________
(1) نيل الأوطار 5 \ 249.
(2) ينظر الدرر السنية في الأجوبة النجدية 5 \ 20، 22 نقلا عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن الصورة المذكورة في القول السادس داخلة في بيعتين في بيعة، وقد سبق نقل كلامه في ذلك ص (270) تعليق (1)، والذي يظهر لي أنه ليس في هذه الصورة صفقتان، وإنما فيها صفقة واحدة، والله أعلم.
(3) مسند أحمد بن حنبل (1/398).واحدة بثمن مبهم .
والثاني: . . . ) ثم ذكر الوجه الآخر (1) ، ثم قال: (التفسير الثاني: أن يبيعه الشيء بثمن على أن يشتري منه ذلك الثمن ، وأولى منه: أن يبيعه السلعة على أن يشتريها البائع بعد ذلك ، وهذا أولى بلفظ: البيعتين في بيعة .
فإنه باع السلعة وابتاعها ، أو باع الثمن وابتاعه ، وهذه صفقتان في صفقة ، وهذا بعينه هو العينة المحرمة وما أشبهها ، مثل أن يبيعه نساء ثم يشتري بأقل منه نقدا أو بنقد ثم يشتري بأكثر منه نساء ، ونحو ذلك ، فيعود حاصل هاتين الصفقتين إلى أن يعطيه دراهم ويأخذ أكثر منها ، وسلعته عادت ، إليه فلا يكون له إلا أوكس الصفقتين ، وهو النقد ، فإن ازداد فقد أربى) (2) .
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (3) : (وقد فسرت البيعتان في البيعة بأن يقول: أبيعك بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة .
هذا بعيد من معنى الحديث من وجهين: أحدهما: أنه لا يدخل الربا في هذا العقد .
الثاني: أن هذا ليس بصفقتين ، إنما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين ، وقد ردده بين الأوليين (4) أو الربا .
ومعلوم أنه إذا أخذ بالثمن الأزيد في هذا العقد لم يكن ربا ، فليس هذا معنى الحديث .
" وفسر بأن يقول: خذ هذه السلعة بعشرة نقدا ، وآخذها منك
__________
(1) وقد سبق نقل كلام شيخ الإسلام المشار إليه ص (270) تعليق (1).
(2) المرجع السابق 5 \ 20، 21.
(3) تهذيب سنن أبي داود 5 \ 148.
(4) هكذا، وهو تصحيف، ولعل الصواب (الأوكس).بعشرين نسيئة ، وهي مسألة العينة بعينها .
وهذا هو المعنى المطابق للحديث ، فإنه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة ، فهو لا يستحق إلا رأس ماله ، وهو أوكس الثمنين ، فإن أخذه أخذ أوكسهما ، وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا ، فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا ، ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى) انتهى كلامه رحمه الله .
وقال أيضا (1) عند ذكره لما فسر به هذا الحديث: ( . . . والتفسير الثاني: أن يقول: أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة ، وهذا معنى الحديث الذي لا معنى غيره ، وهو مطابق لقوله: " « فله أوكسهما أو الربا » (2) " فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي ، أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما ، وهو مطابق لصفقتين في صفقة .
فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد ، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها ، ولا يستحق إلا رأس ماله ، وهو أوكس الصفقتين ، فإن أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا .
فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه صلى الله عليه وسلم ، وانطباقه عليها .
ومما يشهد لهذا التفسير ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه « نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع » (3) .
فجمعه بين هذين العقدين في النهي لأن كلا منهما يؤدي إلى الربا؛ لأنهما في الظاهر بيع ، وفي الحقيقة ربا) انتهى كلامه رحمه الله .
الجواب الثاني عن الاستدلال بحديث « نهى عن بيعتين في بيعة » (4) :
__________
(1) المرجع السابق 5 \ 106.
(2) سنن الترمذي البيوع (1231),سنن النسائي البيوع (4632),سنن أبو داود البيوع (3461),مسند أحمد بن حنبل (2/432).
(3) سنن الترمذي البيوع (1231),سنن النسائي البيوع (4632).
(4) سنن الترمذي البيوع (1231),سنن النسائي البيوع (4632).أن هذا الحديث إما فيه تحريم بيعتين في بيعة ، والقرض ليس بيعا (1) ، فلا دلالة في هذا الحديث على تحريم هذه الصورة من صور جمعية الموظفين .
ويمكن أن يجاب عن الاستدلال بقول ابن مسعود رضي الله عنه: بأن ابن مسعود صلى الله عليه وسلم قد فسر مراده بقوله كما في رواية ابن أبي شيبة وإحدى روايات عبد الرزاق : أن يقول الرجل: إن كان بنقد فبكذا ، وإن كان بنسيئة فبكذا) .
وعليه فإن هذه الجمعية لا تدخل فيما نهى عنه ابن مسعود رضي الله عنه وحرمه .
الدليل الرابع:
أن الأضرار المترتبة على هذه المعاملة تزيد على منافعها ، لما فيها من المخاطرة ، فإنه لو مات المدين أو نقل من العمل في الجهة التي تعامل مع زملائه فيها إلى جهة أخرى أو فصل من الوظيفة أو تقاعد لضاع على زملائه حقهم الذي لديه أو صعبت مطالبته به ، والسنة الشريفة جاءت بتحقيق المصالح وتحصيلها وتكثيرها ، وقطع دابر المفاسد والوسائل المفضية إليها (2) .
ويمكن أن يناقش القول بأن أضرار هذه الجمعية أكثر من منافعها بعدم التسليم بذلك ، فإن ما فيها من المنافع يزيد أضعافا مضاعفة على
__________
(1) أحكام القرآن للجصاص 2 \ 89، مجموع فتاوى ابن تيمية 20 \ 515، إعلام الموقعين 2 \ 11، توضيح الأحكام للبسام 4 \ 59.
(2) ينظر وجهة نظر الشيخ عبد العزيز آل الشيخ حول قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة في هذه المسألة، ووجهة نظر الشيخ الدكتور صالح الفوزان حول القرار المذكور.الأضرار المترتبة عليها (1) ، ثم إن المخاطر المذكورة موجودة في أكثر المعاملات المباحة ، وموجودة أيضا في القرض المعتاد ، ومع ذلك لم يقل أحد من العلماء بتحريم شيء منها من أجل ذلك ، ويلزم على القول بمنع هذه الجمعية من أجل هذه العلة القول بمنع إقراض الموظفين لزملائهم مطلقا ، وبخاصة إذا كثر وانتشر بينهم .
ثم إن هذه المعاملة قد تكون بين جماعة يسكنون في قرية واحدة ، أو بين أقارب ، أو بين جيران ، أو أصدقاء ، فلا تكون هذه العلة موجودة .
وقد استدل للقول الأول (وهو القول بجواز هذه الصورة) بأدلة أهمها:
الدليل الأول:
أن هذا التعامل من العقود التي جاءت النصوص الشرعية بجوازها ، لأنه قرض فيه إرفاق بالمقترض ، حيث ينتفع بهذا المال مدة ثم يرد مثل ما أخذ ، دون زيادة أو نقص ، وهذه حقيقة القرض ، وقد جاءت النصوص بمشروعيته (2) ، وأجمع أهل العلم على جوازه (3) ، وهذه صورة من صوره ، فالإقراض في هذه الجمعية شبيه بالقرض المعتاد ، إلا أنه في هذه الجمعية يشترك في الإقراض والاقتراض والانتفاع أكثر من شخص .
وهذا لا يخرج هذه الجمعية عن مسمى القرض ولا عن حقيقته
__________
(1) سيأتي الكلام على أهم إيجابيات وفوائد هذه الجمعية ص (276-277) في ضمن الدليل الثالث للقول الأول.
(2) سبق ذكر بعض الأحاديث الدالة على جواز القرض ص (261-262).
(3) ذكر إجماع أهل العلم على جواز القرض ابن المنذر في الإجماع ص120، وابن حزم في مراتب الإجماع ص 108، وابن قدامة في المغني 6 \ 429، وابن أبي عمر في الشرح الكبير 2 \ 478، والشوكاني في نيل الأوطار 5 \ 347.الدليل الثاني: أن الأصل في العقود الحل (1) ، فكل عقد لم يرد دليل شرعي ينص على تحريمه فهو جائز ، فلو سلمنا أن هذه المعاملة ليست من أنواع القرض الذي دل على مشروعيته النص والإجماع فإنها تبقى على الأصل ، وهو الجواز ، حيث لا يوجد دليل صحيح يدل على تحريمها .
الدليل الثالث:
أن في هذه المعاملة تعاونا على البر والتقوى (2) ، فهي طريق لسد حاجة المحتاجين ، وإعانة لهم على البعد عن المعاملات المحرمة كالربا أو التحايل عليه ببيع العينة (3) ، وإعانة لهم أيضا على البعد عن المعاملات التي اختلف فيها أهل العلم كالتورق (4) ، ولذلك فإن المشاركين في هذه
__________
(1) ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية 29 \ 16- 18، 150، 151، و 21 \ 535- 541، والقواعد النورانية ص 200، وروضة الناظر 1 \ 117، وإعلام الموقعين 1 \ 244، 383، ومجلة البحوث الإسلامية 7 \ 21، 53.
(2) وقد سمعت فضيلة شيخنا محمد بن صالح بن عثيمين يذكر هذا الدليل في مجلس أو أكثر من مجالسه العلمية المباركة.
(3) وبيع العينة هو أن يبيع سلعة على شخص بثمن مؤجل ثم يشتريها منه بثمن حال أنقص مما باعها به. وقد دلت أدلة كثيرة على تحريمها. ينظر المغني 6 \ 260-264، ومجموع فتاوى ابن تيمية ح 29 ص 430- 433 وص 439-448، ونيل الأوطار 5 \ 318- 320، ومجلة البحوث الإسلامية 7 \ 23-58، ورسائل فقهية (أقسام المداينة) للشيخ ابن عثيمين ص (106)، وكتاب الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية للشيخ عمر المتررك الباب الثاني المسألة الرابعة: بيع العينة ص 257-272، وبيع العينة للشيخ محمد الخضيري.
(4) وهو أن يحتاج شخص إلى نقود، ولا يجد من يقرضه، فيشتري سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها على غير من اشتراها منه بثمن حال، ليحصل على النقود التي هو محتاج إليها وقد ذهب إلى تحريمها ابن عباس وعمر بن عبد العزيز- وقال: هي آخية الربا (أي أصله)- والإمام أحمد في رواية عنه وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه). ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية 29 \ 434، 442، إعلام الموقعين 3 \ 170، وتهذيب السنن 5 \ 108 ، 09 1، ورسائل فقهية (أقسام المداينة) للشيخ ابن عثيمين ص (106، 107) وبيع العينة للشيخ محمد الخضيري ص 7586.الجمعية في الغالب يقدمون أكثرهم حاجة ثم من يليه في الاحتياج وهكذا ، كما أن بعض المشاركين فيها يرضى أن يكون آخر من يستلم هذه الجمعية ، فيكون مقرضا فقط ، وقد يكون شارك فيها ولا هدف له سوى الحرص على استمرار هذه الجمعية ليستفيد منها المحتاجون من إخوانه وزملائه ، وبعضهم قد يشترك فيها من أجل أن يحفظ ماله ، لأنه إذا بقي لديه أنفقه ، وربما يكون في إنفاقه شيء من الإسراف ، فيحرص على أن يكون آخر من يستلم هذه الجمعية ، فيكون مقرضا فقط ، كما أن بعضهم يلجأ إلى الإقراض عن طريق هذه الجمعية لأنه خير من إقراضها لبنك ربوي ، لأن حقيقة الإيداع في البنوك إقراض لها (1) .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد ذكره لبعض صور القرض التي يكون فيها انتفاع للمقرض والمستقرض معا كالسفتجة (2) وإقراض فلاح ليعمل في أرضه وغير ذلك ، قال: (والمنفعة التي تجر إلى الربا في القرض هي التي تخص المقرض كسكنى دار المقترض وركوب دوابه واستعماله وقبول هديته ، فإنه لا مصلحة له في ذلك بخلاف هذه المسائل ، فإن المنفعة مشتركة بينهما ، وهما متعاونان عليها ، فهي من جنس التعاون والمشاركة) (3) .
__________
(1) ينظر الاختيارات الجلية للبسام 3 \ 58، 67، وتوضيح الأحكام له أيضا 4 \ 75.
(2) سبق ذكر تعريف السفتجة وحكمها ص (255 و 257).
(3) تهذيب سنن أبي داود 5 \ 153.الدليل الرابع: أن المنفعة التي تحصل للمقرض في هذه الجمعية لا تنقص المقترض شيئا من ماله ، وقد حصل المقترض على منفعة مساوية أو مقاربة لها ، ففيها مصلحة لجميع المستقرضين فيها ، وليس فها ضرر على واحد منهم أو زيادة نفع لمقرض على حساب مقترض ، والشرع المطهر لا يرد بتحريم المصلحة التي لا مضرة فيها ، بل يرد بمشروعيتها (1) .
بل إن الشريعة كلها مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد (2) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره لخلاف العلماء في السفتجة (3) : (والصحيح الجواز ، لأن المقرض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد ، وقد انتفع المقترض أيضا بالوفاء في ذلك البلد ، وأمن خطر الطريق ، فكلاهما منتفع بهذا الإقراض والشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم ، وإنما ينهى عما يضرهم) (4) .
الترجيح:
بعد النظر في الرأيين السابقين واستعراض الأدلة وما ورد على بعضها من مناقشة ظهر لي ترجيح القول الأول ، لما يلي: 1- لقوة أدلته ، وسلامتها من الاعتراضات المؤثرة .
__________
(1) ينظر قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة رقم (164) في 26 \ 2 \ 1410 هـ، والمنشور في مجلة البحوث الإسلامية العدد 27 ص 349، 350.
(2) قواعد الأحكام 1 \ 9، المستصفى 1 \ 268، روضة الناظر 1 \ 412، إعلام الموقعين 3 \ 3.
(3) سبق ذكر تعريف السفتحة وحكمها ص (255 و 257).
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية 29 \ 531، وينظر ص 455، 456 من الجزء نفسه، والمعني 6 \ 437، وينظر أيضا كلام الإمام ابن القيم الذي سبق نقله ص (265).2 - لضعف أدلة القول الثاني ، لما ورد عليها من المناقشة ، بحيث لم تعد تنهض للاحتجاج بها .
3 - أن القول بجوازها هو الموافق لأصول الشريعة وقواعدها العامة ومبادئها الكلية ؛ لأن جميع الأحكام الشرعية مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد (1) ، ولا شك في وجود المصالح الكثيرة في هذه الجمعية لجميع المشاركين فيها (2) ، وانتفاء المفاسد عنها .
4 - أن في القول بمنع هذه المعاملة إلجاء للمحتاجين إلى المعاملات المحرمة أو المختلف في تحريمها كالتورق ، وذلك عند عدم وجود من يقرضهم أو يعاملهم بالمعاملات المباحة كالسلم (3) أو غيره ، لحرص كثير من أرباب الأموال على الربح المضمون في ظنهم .
قال الموفق ابن قدامة بعد ذكره للخلاف في مسألة السفتجة (4) والتي فيها شبه بهذه الجمعية من جهة أن فيها منفعة للمقرض والمقترض ، قال: (والصحيح جوازه؛ لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما ، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها ، بل يرد بمشروعيتها ،
__________
(1) سبق ذكر المراجع لهذه المسألة ص (278) تعليق (2)
(2) سبق ذكر بعض المصالح في هده الجمعية ص (265).
(3) وهو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد. ينظر زاد المستقنع مطبوع مع شرحه الروض المربع وحاشية شرحه للشيخ عبد الرحمن بن قاسم 5 \ 4، وقد أجمع أهل العلم على مشروعيته. ينظر الأم 3 \ 49، الإجماع لابن المنذر ص 119، 120، بداية المجتهد 7 \ 389، مجموع فتاوى ابن تيمية 29 \ 495، شرح مسلم 11 \ 41، فتح الباري 4 \ 428، الروض المربع (مطبوع مع حاشيته للشيخ عبد الرحمن بن قاسم 5 \ 4).
(4) سبق ذكر تعريف السفتجة وحكمها ص (255 و 257).ولأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه ، ولا في معنى المنصوص ، فوجب إبقاؤه على الإباحة) (1) والله أعلم .
__________
(1) المغني 6 \ 437، وينظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي سبق نقله ص (278)، وكلام الإمام ابن القيم الذي سبق نقله ص (265).المبحث الثالث
حكم الصورة الثانية من صور جمعية الموظفين
سبق في المبحث الأول بيان كيفية هذه الصورة ، وهي تشبه الصورة الأولى وتزيد عليها أن يشترط على جميع المشاركين فيها أن يستمروا فيها حتى تستكمل دورة كاملة ، فلا يحق لأحد منهم أن ينسحب منها حتى يقرض جميع المشاركين فيها ، لئلا ينقص المقدار الذي يستقرضه كل واحد منهم .
فحقيقة هذه الصورة أنه بوجود هذا الشرط كأن كل واحد من المشاركين فيها يقول: لن أقرض فلانا وفلانا إلا بشرط أن يقرضني فلان وفلان .
وقد ذكر بعض الفقهاء ما يدل على حرمة مثل هذا الشرط ، فذكر بعضهم أن القرض يحرم إن جر منفعة لغير المقترض ، سواء جر نفعا للمقرض أو لغيره (1) .
وذكر آخرون أنه يحرم إن شرط فيه منفعة للمقرض مطلقا (2) .
__________
(1) البيان والتحصيل لابن رشد 7 \ 107، 108، مواهب الجليل للحطاب 4 \ 456، 457، شرح منح الجليل لمحمد عليش 3 \ 49، الخرشي 5 \ 232.
(2) شرح روض الطالب 2 \ 142، كشاف القناع 3 \ 317، غاية المنتهى 2 \ 82، 84.والقول بتحريم هذه الصورة هو أيضا قياس قول من رأى حرمة الصورة الأولى من صور هذه الجمعية (1) ، لأنها تشبهها ، وتزيد عليها اشتراط الإقراض من طرف ثالث أو أكثر .
ويمكن أن يستدل للقول بتحريم هذه الصورة بالحجج التي تمسك بها من قال بتحريم الصورة الأولى ، ويمكن أن يضاف إليها بأن في هذه الصورة زيادة اشتراط منفعة للمقرض ، وهي أن يقرضه طرف ثالث أو أكثر ، وهذا لا يجوز ، لأنه ربا ، لما فيه من زيادة النفع للمقرض (2) .
وقد سبقت الإجابة عن الأدلة التي تمسك بها من قال بتحريم الصورة الأولى بالتفصيل في المبحث الأول .
أما القول بأن اشتراط الإقراض من طرف ثالث ربا ، لما فيه من زيادة النفع للمقرض فيمكن أن يجاب عنه بأن الشرط الذي أجمع أهل العلم على تحريمه والذي يصدق عليه أنه ربا هو اشتراط منفعة أو زيادة للمقرض على المقترض لا يقابلها نفع سوى مجرد القرض (3) .
وهذا غير موجود في هذه الصورة ، لأن النفع المشترط هنا لا يقدمه المقترض أصلا ، وأيضا فهو نفع لجميع المشاركين سوى آخرهم ، لأنه مقرض لا غير .
وذهب بعض أهل العلم ومنهما شيخنا محمد بن صالح بن عثيمين وشيخنا عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين إلى جواز هذه الصورة .
__________
(1) سبق ذكر من قال بذلك ص (248).
(2) وهذا عند من يرى تحريم اشتراط أي مجمعة للمقرض،: وستأتي الإجابة عنه قريبا.
(3) ينظر ما سبق ص: (257-264).ويمكن أن يحتج لجوازه! بالأدلة التي احتج بها لجواز الصورة الأولى من صور هذه الجمعية .
الترجيح:
وبالنظر والتأمل في أدلة القولين السابقين لم يظهر لي ما يمنع من التعامل بهذه الصورة ، فليس هناك دليل قوي يعتمد عليه في تحريمها ، والأصل في المعاملات الحل (1) .
وهذه الجمعية فيها نفع لجميع المستقرضين فيها ، ولا ضرر على أحد منهم (2) والشرع لا ينهى عما ينفع الناس ويصلحهم ، وإنما ينهى عما يضرهم .
__________
(1) سبق ذكر بعض المنافع في هذه الجمعية ص (276-277).
(2) سبقت الإجابة عن ما يظن أنه من سلبيات هذه المعاملة ص (274، 275).المبحث الرابع
حكم الصورة الثالثة من صور جمعية الموظفين
سبق في المبحث الأول ذكر كيفية هذه الصورة ، وهي تشبه الصورة الثانية ، إلا أنها تزيد عليها اشتراط الاستمرار في هذا التعامل دورة أخرى أو دورتين أو أكثر حسب ما يتفق عليه الأطراف المشاركون فيها ، ويكون ترتيب الاقتراض في الدورة الثانية عكس ترتيبه في الدورة الأولى .
فحقيقة هذه الصورة أن المقرض يشترط على من سيقرضهم أن يقرضوه في دورة ثانية أو أكثر .
وقد نص بعض أهل العلم على تحريم مسألة مشابهة لهذه الصورة ، وهي ما إذا شرط المقرض أن يقرضه المستقرض مستقبلا (1) .
__________
(1) المغني 6 \ 437، الشرح الكبير لابن أبي عمر 2 \ 483، كشاف القناع 3 \ 317، كتاب الدعوة (الفتاوى) لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الجزء الأول ص (152).وذهب بعض أهل العلم إلى جواز هذه الصورة ومنهم شيخنا محمد بن صالح بن عثيمين ، وشيخنا عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين .
قالوا: لأن الشرط المحرم في القرض هو ما فيه زيادة ، وهو غير موجود في هذه الصورة؛ لأنه ليس فيها زيادة ، وإنما فيها اشتراط منفعة للمقرض مساوية للمنفعة التي حصل عليها المستقرض ، فهو قرض مقابل قرض .
والراجح -والله أعلم- في هذه المسألة القول بتحريمها ، فالذي ترجح لدي أن الشرط الذي أجمع أهل العلم على تحريمه هو أن يشترط المقرض على المستقرض زيادة أو منفعة لا يقابلها سوى مجرد القرض (1) ، وهذا موجود في هذه الصورة؛ لأنه قد اشترط عليه منفعة ، وهي أن يقرضه في الدورة الثانية ، ولا يقابل هذه المنفعة سوى القرض الأول فقط .
والله أعلم .
__________
(1) ينظر ما سبق ص (257-264).الخاتمة
الحمد لله وحده وبعد:
فمن خلال هذا البحث المتواضع عن هذه المسألة الهامة تبين لي أمور أهمها: 1- أن القول الراجح في حكم الصورة الأولى من صور هذه الجمعية القول بجوازها ، والذي هو قول جمهور من تكلم عنها من أهل العلم ، وأنه القول الذي تعضده الأدلة الشرعية ، والموافق لأصول الشريعة وقواعدها العامة .2 - أن الصحيح في حكم الصورة الثانية الجواز أيضا .
3 - أن الصورة الثالثة محرمة لأن فيها شرطا قد أجمع أهل العلم على بطلانه .
وفي الختام أسأل الله جل وعلا أن ينفع بهذا الجهد المتواضع كاتبه ، وجميع المسلمين ، وأن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .



مصدرا من الشاملة من مجلة البحوث الإسلامية العدد 43 الصفحة 243
من هنا ملف وورد

منقول
منازل الشهداء غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات المشاركة الاخيرة
حمل : دراسات في مصادر الفقه الإسلامي لموراني/ pdf ابو يعلى البيضاوي منتدى المخطــوطات والكتب النادرة 0 31-07-2009 08:13 PM
كتب الإمام ابن القيم - من غير مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي pdf الجليس الصالح منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 5 17-04-2009 01:04 AM
آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال - مجمع الفقه الإسلامي - جدة Pdf الجليس الصالح منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 5 16-04-2009 11:42 AM
بيان أهمية الفقه الإسلامي لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله. مشرفة المنتديات النسائية منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 0 18-01-2009 10:14 AM
الفقه الإسلامي وأدلته كتاب الكتروني رائع Adel Mohamed منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 0 03-08-2008 02:44 PM


الساعة الآن 05:28 AM.


جميع الحقوق محفوظة لمكتبة المسجد النبوي الشريف
جميع المقالات والأبحاث تعبر عن رأي أصحابها ، وليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر الموقع